فصل: الخاتمة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: قراءة في فكر علماء الإستراتيجية **


 دستور اللصوص

مقالة صحفية للدكتور/ مصطفى محمود نشرت بجريدة الأهرام صباح يوم 28 مارس

1998 ‏.‏

وتحت هذا العنوان قال الدكتور‏"‏مصطفي محمود‏"‏‏:‏ ‏"‏واضح أن أمريكا تريد أن تنفرد بالقرار في شؤون العالم، وتريد أن تطلق يدها في التركـة الاستعمارية التي خلفتـها بريطانيا في الشرق الأوسط وبتروله‏.‏‏.‏ وإذا كانت إسرائيل تبدو في الظاهر أنها تستعمل أمريكا لأهدافها، فإن الحقيقة هي العكس، فإسرائيل الكبرى كلها مجرد مشروع استثماري، تنفق عليه أمريكا وتوظفه للهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية وكنوزها،‏.‏ إنهما لصّان كل منهما يستعمل الآخر لتحقيق أطماعه‏.‏

ولا مانع من أن تستخدم أمريكا لغة العواطف، وحقوق الإنسان، والشرعية الدولية، لتمرر مصالحها، ولا مانع أن تستخدم إسرائيل أسطورة الهولوكوست، وتحاول أن تثير إشفاق العالم بحكايتها الملفقة عن المحارق وغرف الغاز لتستر أطماعها‏.‏

وكلاهما كذاب ومنافق، فما نلبث أن نفاجـأ بإسرائيل تحرق نصارى لبنان ومسلميهم في قانا بالصواريخ، وقذائف الطائرات تحت زعم أنهم إرهابيون‏.‏‏.‏ وما كانوا في الحقيقة إلا لبنانيين فقراء، يحتمون بمخيمات الأمم المتحدة وتحت أعلامها‏.‏

ولا مانع من أن تشيد أمريكا بالعدالة والموضوعية في نظامها العالمي الجديد‏.‏ ثم نفاجـأ بها تخرج على دستور الأمم المتحدة وقانونها وقراراتها، وتعلن حقها في أن تضرب العراق في أي وقت يخالف فيه صدام حسين أوامرها، دون أي مشورة أو إذن من الأمم المتحدة‏.‏ ولن تخـتلف نهاية الأمم المتحـدة عن نهاية عصبة الأمم، التي قضى عليـها اللص البريطاني القديم أيام عزه‏.‏، والظلم يكرر نفسه كل يوم، بأسماء جديدة ومعايير جديدة‏.‏ إننا نواجه عصابة لصوص، وقتلة يضحكون علينا بشرعية كاذبة، عولمة مشبوهة، وحـقوق إنسان وهمي، وبدعة ‏"‏الجات‏"‏ لسرقة ما تبقى في جيوبنا‏.‏

إننا في غابة تسرح فيها الذئاب طليقة في أثواب إنسانية‏.‏

وما نرى أمامنا سوى حـفلة تنكرية، وقفازات حريرية، تخفي المخالب وابتسامات دبلوماسية تخفي الأنياب‏.‏

ولا ملجأ ولا أمان لأحد من الغدر، سوى سلاحه وقوته‏.‏ وعلى الدول الصغيرة أن تتجمع في تكتلات وجبهات‏.‏‏.‏ فالضعاف لا يبقون ضعافًا إذا اتحدوا‏.‏‏.‏ والعصي يغدو لها شأن آخر حينما تصبح حزمة‏.‏ والإيمان بالله قوة، لا يقف أمامها سلاح، ومنذ بدء التاريخ وهناك أقوياء وضعفاء‏.‏‏.‏ ومنذ بدء التاريخ وهناك قوم نوح، وقوم عاد وثمود ‏"‏وإرم ذات العماد‏"‏ التي لم يخلق مثلها في البلاد،‏.‏ أين هى‏"‏إرم‏"‏‏؟‏ تلك التي لم يُخلق مثلها في البلاد، وفي أي واد هلكت وبادت‏؟‏

وأين الروم‏.‏‏.‏ والفرس‏.‏‏.‏ والتتار‏.‏‏.‏ والمغول ‏.‏‏.‏ والهكسوس‏.‏‏.‏ والفراعنة العظام‏؟‏ الذين شادوا

الأهرامات والمسلات، وقهروا الزمن بالتحنيط‏.‏

باطل الأباطيل، وقبض الريح ما جـاءت به السير والأخـبار‏.‏‏.‏ والكل هالك‏.‏‏.‏ ولا أحـد يعتبر‏!‏‏!‏ وكـما هلكت عاد الأولى التي حكى عنها القرآن، سوف تلحق بها عاد الثـانية ‏(‏أمريكا‏)‏ وفي إثرها بنتها البكر ‏(‏إسرائيل‏)‏، وتلحق بكتاب السير والأخبار سيرة أخرى ذميمة كريهة هي سيرة آل صهيون‏.‏‏.‏ إنما هي كـتابة على الماء ونقش على الرمال‏.‏، أيها الضعاف‏.‏‏.‏ ما الأقوياء المستكبرون بأقوى منكم‏.‏‏.‏ إنما هو الجبن والخمول والكسل وحب الحياة وخوف الموت وكراهية الجـهاد‏.‏‏.‏ إنما هي سموم الفرقة وسوس الاخـتلاف، وداء التشرذم الذي يبدد عزمكم، ويجعل من ملايينكم أصفارًا‏.‏

ولا أستسلم للتشاؤم‏.‏‏.‏ فإني أرى بشائر يقظة، وبداية تجمع عربي، قد أحدث أثره في إفشال الهجـمة الأمريكية على العراق، وتراجـع للحـشد الإجرامي الذي كان يحشده الصهاينة في كل مكان‏.‏‏.‏ بل وحصار للصهاينة في داخل أمريكا ذاتها، في جامعة أوهايو‏.‏‏.‏ وصعود الطلبة على المنصة التي تقف عليها ‏"‏مادلين أولبريت‏"‏ وإلى جوارها ـ وزير الدفاع الأمريكي كوهين‏.‏‏.‏ وصراخهم في وجهه‏.‏‏.‏ كفوا عنا أكاذيبكم‏.‏‏.‏ أنتم مشعلو الحروب‏.‏‏.‏ ورسل الخراب‏.‏

وقال الذين حضروا الاجتماع الحاشد‏:‏ إن الرجل فوجـئ بهذا الهجوم واتسعت حدقتاه في ذهول ولم يجد ما يقوله‏.‏‏.‏ هناك إذن بداية تغير في المناخ العام العالمي‏.‏‏.‏ وبداية فضيحة للخطط الصهيونية، ونقرأ هذه الأيام عن حصار الماسونية في إنجلترا ‏(‏والماسونية هي الجـهاز السري للصـهيونية‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ ويهدد مجلس العموم البريطاني بأن قيادة الماسونيين ستواجـه السجن، إذا استمرت في فرض غطاء السرية على نشاطها، ولم تعلن عن أعضائها الماسون الذين ينتمون إلى البوليس، والقضاء والصحـافة، ويشتد هجوم ‏"‏كريس مالن‏"‏ على ‏"‏مايكل هيجـام‏"‏ السكرتير الأعظم للجمعية الماسونية، ويتبادلان الألفاظ الحادة، حـينما يرفض أن يكشف عن أسماء مائة وسبعين عضوًا بارزًا من الماسون يشغلون مناصب حـسـاسـة يشك المجلس في أنهم تورطوا في سلسلة فضائح‏.‏‏.‏ لقد بدأ السـتـر يتكشف عن مصائب الصهيونية ومكائدها،‏.‏ وكـان رجـع الصدى لهذه التحولات والأحداث بـالنسبة لقياداتنا العربية فوريًا، وكـان حـديث الرئيس ‏"‏مبارك‏"‏ لصحيفة ‏"‏معاريف‏"‏ الإسرائيلية شديد اللهجـة، قاطع النبرة ‏.‏‏.‏ قال لمحدثه الإسرائيلي‏:‏ قوموا بتنفيذ جـميع الاتفاقات دون مناورات أو سفسطة،‏.‏ نحن لم نحصل منكم حتى الآن إلا على وعود‏.‏‏.‏ وكل الزعماء العرب فقدوا الثقة في نيتانياهو‏.‏‏.‏

ـ وقال الملك ‏"‏الحسن‏"‏ ملك المغرب‏:‏ ‏"‏إن ‏"‏نيتانياهو يريد أن يكرس مدرسة جديدة في القانون الدولي، تعطي الحق لكل حكومة في محو كل ما أبرمته الحكومة التي سبقتها‏.‏‏.‏ وهي مدرسة إن وجدت فستكون مدرسة الفناء لا البقاء، ومدرسة الهدم لا البناء، ومدرسة المجون والفسق، لا مدرسة الفضيلة والاستمرار البشري ‏.‏

وهناك إذن بداية فضيحـة لما تُبيَت إسرائيل، ولما يخطط له الصهاينة، وبداية انكشاف لمكائدهم، وبداية تحول على جميع المسارات، وبداية وقفة قوية من قياداتنا العربية وصحوة من زعـامـاتنا الإسلاميـة‏.‏‏.‏‏.‏ هل يكف الإسـرائيليـون عن عدوانهم‏؟‏ وهل يتنازلون عن مخططاتهم بعد هذه الفضيحة‏؟‏‏!‏‏!‏

لا أظن،‏.‏ بل سيتمادون، ولكن سيكون عدوانهم مفضوحًا وشرهم مكشوفًا‏.‏‏.‏ ولن يجدوا العون الذي كانوا يجدونه، ولا التعاطف العالمي الذي كـانوا يلقونه‏.‏‏.‏ وسوف ينفض عنهم الحلفاء واحـدًا بعد الآخر‏.‏‏.‏‏.‏ وسوف يجد العرب أعوانًا يزدادون نصرة لهم يومًا بعد يوم‏.‏‏.‏ وسوف ينقلب العالم على الصهاينة‏؟‏ ليستأصل شأفتهم، وسوف تكون نهايتهم‏.‏

وأحبارهم يعلمون هذا بمشيئة الله تعالى، ويعرفونه من آيات توراتهم التي يخفونها، يعلمون أن الهيكل الذي سوف يبنونه على أطلال الأقصى، سوف ينهدم على رؤوسهم، ولكن عنادهم يغلبهم وسوف يركبون رؤوسهم‏.‏‏.‏ ولن يتراجعوا عن بغيهم وتعاليهم‏.‏

وهم يضحكون على الإنجيليين الأمريكيين، ويوهمونهم أن المسيح لن ينزل من السماء إلى أرضنا إلا حينما يأتي عليها الخـراب، وتسيل دماء المسلمين أنهارًا، ويرتفع شـأن اليهود، فهو ملك اليهود النازل من أجل إعلاء كلمتهم ‏.‏‏.‏ والحـرب على المسلمين وإفنائهم لابد منها لنزول المسيح وهرمجدون هي الموقع المختار في فلسطين لهذه الحرب‏.‏ وقد جهزوا أسلحتـهم النووية والكيميائية والميكروبية من أجل هذه المواجهة الكبرى،‏.‏ هكذا يُروّجـون للخراب ويتعجلونه‏.‏

وإذا صدقت نبوءة ‏"‏هرمجدون‏"‏ فسيكون فيـها خرابهم وفناؤهم وخزيهم، قبل أن تكون خرابًا للدنيا، وستكون نصرًا للمسلمين وارتفاعًا لرايتهم‏.‏

والكتب السماوية كلها تتحـدث عن قتال الأمم مع يهود ‏.‏‏.‏‏.‏ والتوراة أكثرها حـديثًا عن الدم‏.‏

فلمـاذا يكذبون علينا، ويتـحـدثون عن السـلام‏.‏‏.‏‏.‏ بينمـا يكـدسون الأسلحـة في ترساناتهم‏.‏‏.‏‏.‏ ولماذا جعلوا من الكذب والغدر كل حياتهم‏؟‏ ‏!‏‏!‏‏.‏

انتهي كلام الكاتب‏.‏

جذور العنف

تحت هذا العنوان كتب الأستاذ ‏"‏أحمد بهجت‏"‏‏:‏ ‏"‏قام المجتمع الأمريكي على أكتاف مجموعة من المهاجرين الرواد الذين اتجـهوا للعالم الجديد، وهو عالم كان يعيش فيه الهنود الحمر‏.‏

وبدأ الصراع بين المهاجرين والهنود الحمر، وهو صراع اتسم بالعنف وكانت محصلته النهائية هي إبادة الهنود الحمر واحتلال المهاجرين الأرض، لهذا السبب، تغوص جذور العنف في المجتمع الأمريكي حتى القاع، وقد عبرت أفلام الغرب في السينما الأمريكية عن هذا العنف، ورسمت صورة للبطل عند الكاوبوى، وكـانت البطولة تعقد لواءها لمن يسحب مسدسه أسرع، ولمن يقتل عددًا أكبر من الضحايا دون أي يهتز له جفن،‏.‏ أو بدم بارد كما يقول المصطلح الأمريكي‏.‏

ويمكن القول باختصار أن العنف قد صار أفضل حل لمشكلات الحياة وتحدياتها ‏.‏

ويبيح الدستور الأمريكي لكل مواطن أمريكي أن يحـمل السلاح، وليست هناك أي عقبات في شراء السلاح، أو ترخيصه، وتنتشر محلات بيع السلاح مثل محلات السوبر ماركت‏.‏

ويمكن القول إن ظاهرة العنف تزايدت في السنوات الأخيرة، وصارت تهدد المجتمع في أساسه‏.‏

وتلعب السينما والتليفزيون في أمريكا دورًا مهمًا في الترويج للعنف، فإن قسما مُهمًا من أفلام السينما يختار قصصًا دامية تبدأ بيد مجـهولة تطلق الرصاص، وتنتهي بحرائق وانفجارات ودم ومفاجآت‏.‏

وهذه الأفلام تختار العنف ضمانًا لانتشارها وتروجيها، ولهذه الأفلام جمهورها من الأطفال والشباب الكبار، الذين يتعاطفون في كـثير من الأحـيان مع المجـرم ضد رجل القانون‏.‏

ويتأثر الشباب والأطفال بأفلام العنف تأثيرًا لا يستطيعون التنبؤ بآثاره السيئة، وإن كانت هذه الآثار تظهر ذات يوم في أطفال يطلقون النار عشوائيًا على بنات في مدرسة، أو شباب يقتحمون بنكًا لسرقته، فإذا سئلوا في التحقيق، من الذي أوحـى إليهم بهذه الفكرة التعيسة‏؟‏‏!‏ قالوا شهدنا فيلمًا عن سرقة بنك، ونفذنا سيناريو الفيلم ولكن في الحـياة الواقعية‏.‏‏.‏ نحن أمام مشكلة تبدو بلا حل قريب، خاصة بعد انفتاح السموات ووجود أقمار صناعية، وعدم قدرة أحد على رقابة هذا الفن الرديء أو منعه ‏.‏

 الخاتمة

 كيف يمكن للأمة أن تواجه هذه التحديات

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على محـمد رسول الله، ومن والاه، واستن بسنته، واهتدى بهداه إلى يوم الدين‏.‏

أما بعد‏:‏

فهذه جولة في فكر بعض علماء السياسة والاستراتيجية، والمفكرين والكتاب وغيرهم، وهي بمثابة تنبيه إلى أهمية ما كتبوه فيما يتصل بأخطر التحديات التي تواجـه العالم كله، والإسلامي على وجه الخصوص، وهذه الجولة تتصل أيضًا بالمخطط الاستعماري، الذي يستهدف السيطرة على العالم سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا وإعلاميًا، وفرض العقائد الصهيونية الصليبية على أهل الإسلام، وتمزيقهم إلى دويلات طائفية، وذلك تحت شعار ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، وفرض السلام‏.‏

إنها جـولة في عقول الأعداء نتعرف من خـلالها على نظرتهم إلى العالم الإسلامي ومخططاتهم التي قاموا ويقومون بتنفيذها، نسوقها إلى الذين لايؤمنون من هذه الأمة بأن التدافع بين الحق والباطل سنة ربانية جارية، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 40‏]‏‏.‏

وليدركوا أن هناك صراعًا بين أهل الباطل، من شياطين الإنس والجن، وبين أهل الحق وأن الله هو الذي يُحـذر أهل الحق من خطورة أهل البـاطل ويأمرهم بمجـاهدته وبالتالي لايمكن أن يكوت هناك سلام دائم في حـياة الإنسانية لعدة أسباب، هناك أعداء للإنسانية لهم أهداف وأطماع في بني الإنسـان، في عقائدهم وديارهم ومقدساتهم وأعراضـهم ودمائهم، فلا يمكن أن يتحـقق السلام، إلا أن يكون هناك قوة تردع هذا الإنسان العدو لبني الإنسان‏.‏

أيها القارئ الكريم‏.‏

لم يجعل الله تبارك وتعالى كربًا إلا وجعل معه مخرجًا ، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا‏}‏ ‏[‏الشرح‏:‏ 5، 6‏]‏‏.‏

ولئن كان أمن الأمة مهددًا، ولا يزال على خطر عظيم، فإن اللبس والغموض يغلفان أغلب ما مر بهذه الأمة من أزمات حادة، كانضمام بعض المسلمين لجانب الحلفاء في قتال المسلمين في الحـرب العالمية الأولى، وكـقتـال أهل هذا الدين في حـربي الخليج الأولى والثانية‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏

أما في هذه المرة، فإن الظلم الواقع على المسلمين واضح لا لبس فيه، والعدو محدد لايخطئه الإدراك، وإذا لم يكن الجـهاد الآن واجبًا فمتى يجب إذًا‏؟‏ وأي حياة تكون هذه إذا قوّض الدين، وازهقت الأنفس، وفتكت الأعراض، وسُلبت الأموال، وإن لم يكن الجـهاد الآن واجبًا فمتى يجب إذًا ‏؟‏‏.‏

لعل الله جلت حكمته قد جعل هذه المحنة لتكون بمثابة نقطة للتحول، والفرصة التي تخرج فيها الأمة مما هي فيه من كرب وغمة، ولكن الأمر يحتاج إلى جـهاد ونية، وعزم وإرادة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 88‏]‏‏.‏

فإذا ما اتفقنا على أن ما نحن فيه خطر عظيم، وهو في نفس الوقت فرصة سانحة لنهوض الأمة، واستعادة عافيتها، من أجل أداء رسالتها، التي من أجلها بعث الله خـاتم أنبيائه ورسله ـ محمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الفرصة تحتاج أعمالًا تتم في الأجل القصير، وتخطيطًا استراتيجيًا على المدى البعيد‏.‏

أولًا‏:‏ تحرير فلسطين،‏.‏ كل فلسطين، جنوب السودان، البوسنة والهرسك، كوسوفو، القوقاز، كشمير، الفلبين، كل شبر محتل من ديار الإسلام فرض على المسلمين تحريره‏.‏

إن المساعي التي تبذل الآن تحت ستار تحقيق السلام، لن تعيد أرضًا، ولن تحمي عرضًا، ولن تردع معتديًا، لايرعى فينا إلًا ولا ذمة‏.‏

وهي لن تحفز الأوروبيين، والأمريكيين وغيرهم للإسراع بالقتال والموت فداء للمسلمين القاعدين منهم أو القائمين، فضلًا عن أنها لن تجبرهم على تغيير أهدافهم التي حذرنا الله منها ‏{‏ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا‏}‏ ‏[‏البقرة217‏]‏ ‏{‏لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًا ولا ذِمَّةً وأُوْلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 10‏]‏‏.‏

فلا بديل إذن عن الجهاد في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين أخـرجـوا من ديارهم وأموالهم ‏.‏‏.‏ لا لشيء‏.‏‏.‏‏.‏ إلا أنهم يقولون‏:‏ لا إله إلا الله محـمد رسول الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 139‏]‏‏.‏

الجـهاد في سبيل الله يحـتاج إلى المال‏.‏‏.‏ والرجال‏.‏‏.‏ والسلاح والمؤن والدواء، وهو يحـتاج في المقام الأول ضغطًا شعبيًا على الحكومات كي لا تعيق أو تعرقل سـفر المجاهدين، أو نقلهم لمستلزمات الجـهاد هذه‏.‏

وهنا يبدو بوضوح أن للمساجد المنتشرة في كل أرجاء المعمورة دورًا يسهم في تربية المجـاهدين، وجمع المال، وتجـهيز المؤن والرجـال، والدعوة إلى الجـهاد، وأن تتصل بأغنياء المسلمين لحثهم على الجهاد بالمال‏.‏

وللنقابات والجمعيات الإسلامية في كل بلاد المسلمين دورًا أيضًا لتقديم العون الفني واللوجستي، فضلًا عن إبراز الرجـال، وجمع المال، وتوعية الأمة بالتحـديـات وواجباتها، وتعريفها بالوطن الإسلامي، بسنكيانج، ‏(‏تركستان الشرقية‏)‏ وتركستان الغربية، بالقوقاز، كوسوفا‏.‏

* وعلى دور العلم واجبات‏.‏، وكذلك المدارس والجامعات ومعاهد البحث العلمي في كل أنحاء الأمة الإسلامية، وهي تقديم مادة علمية ومقررات دراسية وبرامج إعلامية عن الوطن الإسلامي، والاستعمار القديم والحديث، والمؤامرة الصهيونية الاستعمارية على الوطن الإسلامي، وشرح أبعاد المؤامرة وآثارها على الأمة الإسلامية وبيان أهمية التكامل بين بلاد الوطن الإسلامي‏.‏

إن دور العلم لايقل أهمية عن دور المسجـد للقيام بتربية الفرد المجـاهد‏.‏‏.‏ تربية إيمانية، وتربية بدنية، وتربية ثقافية، وتربية اجتماعية، وتربية جنسية، وتربية عقلية وتربية مهنية‏.‏

إن نصرًا يحـرزه المسلمون بإذن الله‏.‏‏.‏ في فلسطين‏.‏‏.‏ في الصومال‏.‏‏.‏ في السودان‏.‏‏.‏ سوف يكون له آثار بعيدة المدى بأكـثر مما نتصور وليعلم الجميع أن النصر مع الصبر، ويكفينا قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ الَذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 249‏]‏‏.‏

* للإعلام دور،‏.‏ يسير جنبًا إلى جنب مع دور المسجد، ودور العلم، هذا الدور لابد وأن يرتبط بمنظومة القيم الإسلامية العليا، والتكميلية والتحسينية‏.‏، لا يجوز أن يكون البرنامج الإعلامي في بلاد المسلمين صورة طبق الأصل مما أعده أعداء الإسلام في حربهم التقنية الشرسة ضد المسلمين‏.‏ لا يحل لدور العلم أن تتجاهل قضايا العالم الإسلامي‏.‏

إن الإعلام هو صورة الأمة المعبّرة عن ضميرها، وهو الذي يستنهض إرادتها، وحرام أن يكون الإعلام حربًا على المسلمين، وعونًا لأعدائها ناقلًا لرسالتهم‏.‏

إن التزام الإعلام في المعركة يكاد يعدل آثار المدافع والطائرات وغيرها‏.‏

ثانيًا‏:‏ توفير الغذاء والسلاح‏:‏ إن أي تخطيط استراتيجـي لن يكتب له أي درجة من درجات النجاح، طالما كان هناك تبعية كاملة لأعداء الأمة‏.‏

أول درجات التحرر من هذه التبعية ‏(‏امتلاك الغذاء‏.‏‏.‏ والسلاح‏)‏، وهذا الأمر لا يحتاج وقتًا طويلًا، ولقد ضرب الله لنا أمثلة في أنفسنا، فبعض بلدان الجزيرة العربية، رغم قلة المياة المتاحـة، وارتفاع تكلفة الزراعة، حـقق اكتفاء ذاتيًا في الحبوب، بل منها من قام بالتصدير، ونفس الشيء حدث في السودان من خـلال الحكومة في عام واحد، حـينمـا خلصت النوايا‏.‏‏.‏ وكانت هناك عزيمة‏.‏

أما الأرض الصالحة للزراعة في أحواض النيل، ودجلة والفرات، والسند وغيرها، فيمكن أن تفي باحتياجات المسلمين أو تزيد، فلم الركون إلى الكسل‏.‏‏.‏ أطلب للمذلة هو‏؟‏‏؟‏

أما عن السلاح، فأمره ليس عسيرًا، بالشكل الذي يصورونه، فالتنافس بين شركـات ومصادر صنع السلاح، وتوفير المال ـ وهو موجود بفضل الله ـ يمكن من نقل حقيقي ‏"‏للتكنولوجـيـا‏"‏ المناسبة إذا تم استدعاء العلماء والفنيين المسلمين وغيرهم من الشرق والغرب وأحـسن توظيفهم وتوجـيه جـهودهم، والبنية الأساسية المتوافرة في البلدان الإسلامية الاكثر تقدمًا كتركيا، مصر، تنزانيا، وسوريا، وأندونيسيا، وباكستان، وإيران بل والعراق تسمح بإقامة صناعة للسلاح الإسلامي، ولو بتكنولوجيا غير متقدمة كل التقدم‏.‏

إن ما لدى الأمة الإسلامية الآن حاليًا من السلاح‏.‏‏.‏ لهو قدر كبير جدًا، يمكن أن يكون فعالًا، في توفير الأمن والدفاع، إذا ما تم توفير الصيانة له، وتصنيع قطع الغيار وهي أمور ممكنة‏.‏‏.‏‏.‏ إذا خلصت النوايا، وحسن التصرف ‏.‏

ثالثًا‏:‏ وضوح الغاية إذ غاية هذه الأمة واضحـة كل الوضوح، فقد جـاءت في آيتين كريمتين‏.‏

يقول الله تعالى فيهما‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ ومَا وصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 13‏]‏‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ‏}‏ ‏[‏الحج ‏:‏ 41‏]‏‏.‏

ـ فغاية المسلمين أينما كانوا، وفي أي زمان عاشوا هي ‏"‏إقامة شرع الله وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى‏.‏

وحتى نسير في اتجـاه غايتنا فلابد أن تكون لدينا ‏"‏أهداف استراتيجية‏"‏ يلتف حولها المسلمون ويعملون من أجل تحقيقها، وأن تكون الأهداف واضحة‏.‏

ـ إن أعداء الإسلام يعرفون ـ الإسلام ـ كما يعرفون أبناءهم، ولن نجني من كثرة الاعتذار عن الإسلام ووصفه بما ليس فيه، والاستخفاء من الناس، إلا خزيًا في الدنيا، وعذابًا أليمًا في الآخرة‏.‏‏.‏‏.‏ إلا أن يهدينا الله إلى سواء السبيل‏.‏

ـ وحتى تعم الفائدة نود أن نقترح بعض الأهداف التي نجدها مناسبة للتهوض بالأمة والسير بها في سبيل بلوغ غايتها‏:‏

أ ـ بناء الإنسان المسلم ماديًا ومعنويًا وعقديًا، على أساس منهاج الإسلام ومنظومة قيمه العليا كما وردت في كتاب الله وفصلته السنة النبوية الشريفة‏.‏

ب ـ الحـفاظ على كِـيان الأسرة المسلمة، وعلى تماسكها وعلى هويتها، وتنمية دورها في التنشئة والتربية‏.‏

ج ــ الارتقاء بالعلاقات الاجـتـماعية في مجـتمـعات المسلمين، على أساس التكافل الاجتماعي، والآمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏

د ـ تطوير أساليب الدعوة الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة، وتبليغها إلى كل من لم تبلغه في كل مكان في العالم باستخدام كل الوسائل التي يسرها الله تعالى للإنسان‏.‏

هـ ـ بذل الجـهد لامتلاك القوة المادية والمعنوية، وبصفة خـاصة بناء قاعدة تكنولوجية إسلامية خالصة‏.‏

و ـ تحقيق وحـدة وتماسك الأمة الإسلامية، والحفاظ على كل أشكال العلاقات مع الأقليات الإسلامية، خارج مجتمعات المسلمين‏.‏

ز ـ الجـهاد في سبيل الله، بالمال والنفس، دفاعًا عن العقيـدة وحـفاظًا على الأمة وتأمينًا للدعوة‏.‏‏.‏ فالجهاد ماض إلى يوم القيامة، وما تركه قوم إلا ضربهم الله بالذل ‏.‏

رابعًا‏:‏ تطوير الإطار التنظيـمي الإسـلامي‏:‏ إن تغيـر الظروف الدوليـة بالشكل الذي وضحه علماء الاستراتيجـية يتطلب من العالم الإسلامي إعادة النظر في ميثاق وأفرع وأجهزة ‏"‏منظمة المؤتمر الإسلامي‏"‏‏.‏

ولعل أهم المقترحات في هذا الشأن ما يلي‏:‏

أ ـ تعديل الميثاق ليتضمن الأهداف سالفة الذكر ‏(‏ص 178ـ 179‏)‏ كـما هي أو بعد التعديل المناسب لها، شريطة النص على تحقيق الوحدة الإسلامية على مراحل محـددة بمدد زمنية‏.‏‏.‏‏.‏ أفنحن أقل اهتمامًا بوحدتنا من الأوروبيين الذين يعملون على استعادة وحدة الإمبراطورية الرومانية‏؟‏

أو ليس الأجدر بنا أن نتبع قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 92‏]‏ ‏{‏وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 52‏]‏‏.‏

ب ـ إنشاء صندوق خـاص بالإغاثة والدعوة ‏"‏يمول من حصيلة زكاة الركـاز والمعادن‏"‏ وهي خـمس مـا يخـرج من الأرض من كل أنواع المعـادن‏:‏ الذهب، الفـضـة، الحـديد، الألومنيوم، البترول‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏

وما أكثرها في أمتنا بفضل الله، على أن تعطى أولوية خلال السنوات العشر القادمة للجمهوريات الإسلامية، في آسيا وأوروبا، التي كانت واقعة تحت الحكم الشيوعي، والبلدان الإفريقية والآسيوية الأكثر فقرًا، وتلك التي تتعرض للكوارث الطبيعية وغيرها‏.‏ ولتمويل عمليات استقبـال واستيعاب وتشغيل هجـرات إسلامية يتوقع وصولها من أوروبا خـلال التسعينيات‏.‏

ج ـ وضع فكرة ‏"‏محكمة العدل الإسلامية‏"‏ موضع التطبيق على أن تكون أحكامها ملزمة للأطراف التي تتحاكم إليها‏.‏

د ـ إنشاء قوة إسـلاميـة ‏(‏برية وبحـرية وجـوية‏)‏ تغنينا عن استدعاء قوات أجنبية للمرابطة في أرض الإسلام، وتسهم في حـفظ السلام بين الدول الإسلامية، وتكون نواة لتوحيد القوات المسلحة في بلادنا‏.‏‏.‏‏.‏ بوصول المسلمين إلى مرحلة الوحدة السياسية بإذن الله‏.‏

هـ ـ إنشاء ‏"‏مركز إسلامي للبحـوث والمعلومات وإدارة الأزمات‏"‏، يجـمع المعلومات ويحللها، ويقوم بالبحـوث ذات الطبيعة الاستراتيجـية في كل المجـالات ‏(‏سيـاسية/ اقتصادية/ عسكرية ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏)‏، ويقوم بدراسات مستقبلية لتوقع الأزمات، ووضع البدائل أمام مؤتمر قمة الدول الإسلامية، فيسهل اتخـاذ القرار الجماعي الإسلامي‏.‏

و ـ تنظيم اجـتماعات سنوية لرؤساء الدول الإسلامية، وينعقد مجلسهم خـلال 48 ساعة في حـالات الأزمات التي تهدد الأمن الإسلامي، أو أمن أي مجتمع من المجتمعات الإسلامية في بلاد الإسلام أو خارجها‏.‏

ز ـ إنشاء وكالة إسلامية لتنظيم استقبال وتوطين واستيعاب وتشغيل أي هجرات إسلامية مفاجئة‏.‏

خامسًا‏:‏ القيام بنهضة ثقافية شاملة‏:‏ تتناول التعليم، والإعلام، والبحث العلمي، والاجتهاد الجماعي، والتقريب بين المذاهب الفقهية، وتوحيد التشريعات في الأمور التي لا يوجد بها اختلاف بسبب الظروف الجغرافية‏.‏

سادسًا‏:‏ وضع فكرة التكافل الاقتصادي الإسلامي ‏(‏السوق الإسلامية المشتركة‏)‏ موضع التنفيذ باعتبارها الأساس الصالح لإقامة وحـدة الأمة، وتجميع وحسن استخدام ثرواتها وقوتها الاقتصادية، وسرعة بناء القاعدة التكنولوجية الإسلامية‏.‏ وسوف يؤدى التأخير في إقامة هذه السوق إلى نقل كل مشكلات ‏"‏النظام الغربي‏"‏ إلى بلادنا، التي تكاد تتحول الآن إلى مجرد أسواق لمنتجاتهم ‏.‏

سابعًا‏:‏ الحفاظ على مربع الأمن الإسلامي ودعمه‏:‏ يتركز أمن الأمة الإسلامية من الناحية الاستراتيجـية ‏"‏في مربع التوازن الجيوستراتيجي‏"‏ الذي يحده ‏(‏تركيا، وإيران، أفغانستان، با كستان، الصومال، السودان، مصر‏)‏‏.‏

إن المساس بوحدة وتماسك أي دولة من الدول الواقعة بداخل هذا المربع سوف يعرض الأمن الإسلامي كله لخطر كبير‏.‏

إياكم وأن يتم تمزيق وحـدة العراق أو الصومال‏.‏‏.‏ حـافظوا على وحـدة أفغـانستـان والسودان‏.‏‏.‏ حذار من التهديدات المحدقة بأمن مصر، وإيران وسوريا، وباكستان، إن التواجد الأجنبي حول أو بداخل هذا المربع ليهدد أمن الأمة الإسلامية‏.‏

ثامنًا‏:‏ اغتنموا الفرصة القادمة‏:‏ إن الانفجـار في ‏"‏ أوروبا ‏"‏ سوف يحـدث عما قريب، ولسوف ينشغل الغرب كله بنفسه، فهل ستضيع الفرصة أم أننا سنستعيد توازننا‏؟‏

أيها القارئ الكريم‏:‏ إن الكسالى والقاعدين لا يستحقون نصر الله عز وجل، إلا إذا خطوا الخطوة الأولى باتجاه منازلة الباطل‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 11‏]‏‏.‏

أي أهل الحق دوامًا مبتلون بأهل الباطل، وهذا لحكمة ربانية قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 2، 3‏]‏‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 142‏]‏‏.‏

وهذا يوجب على أهل الحق في مواجهة الباطل الصبر والثبات، وعدم الانزعاج، والرضا بالقضاء، والتوكل على الله، ومواصلة السير في طريق أصحاب الدعوات، لتربية إنسان العقيدة، عماد القاعدة الصُلبة التي ستتحمل مسؤولية إقامة دين الله عز وجل ‏(‏الإسلام‏)‏ وإحياء الفرائض، وخاصة فريضة الجهاد، للتصدي للعدوان الواقع على أمة الإسلام، ودينها ومقدساتها، حتى يأمن الناس على دينهم وأعراضهم ودمائهم وأموالهم وديارهم ومقدساتهم، حتى تنتهي المظالم، حتى ينتهي العدوان الواقع على الإنسان، كل الإنسان، والدليـل قوله تعـالى‏:‏ ‏{‏اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 128‏]‏ ويقول سبحانه‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 40‏]‏

ويقول محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك‏)‏، ويقول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ‏"‏‏.‏

ويقول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا‏)‏‏.‏

ويقول سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 23‏]‏‏.‏

ويقول سبحانه‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 153‏]‏‏.‏

ويقول سبحانه‏:‏ ‏{‏وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 78‏]‏‏.‏

وفي أثناء هذا الصراع يجب على أهل الحق أن يكونوا على يقين أن النهاية للحق وأهله، والدمار على الباطل وأهله يقول رب العالمين‏:‏ ‏{‏إنَّ الَذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ‏)‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 20، 21‏]‏‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ‏}‏ ‏[‏غافر51 ،52‏]‏‏.‏

وتحقيق النصرة لا يستلزم أن يكون أهل الحق متفوقين عددًا أو عدة على أهل الباطل، ولكن مأمورين بالإعداد يقول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 60‏]‏‏.‏

والذين ينتصرون في النهاية أهل الإيمان بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد الذين يُردّدون لا نقاتل عدونا بعدد ولا عدة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به‏.‏

ويقول سبحانه‏:‏ ‏{‏ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 123‏]‏‏.‏

ونصر المؤمنين والتمكين لهم في الأرض، سنة ربانية جارية وعدها الله المؤمنين‏:‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 55‏]‏‏.‏

جـ ـ كما أن رسولنا بشرنا بفتح رومية، وقد فتحت القسطنطينية ‏(‏إسلامبول‏)‏ على يد محمد الفاتح بعد ثمانمائة سنة من البشارة النبوية، وستفتح رومية إن شاء الله كما بشرنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏{‏ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 3، 4‏]‏‏.‏

د ـ ومن المبشرات أيضًا قول النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏"‏إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتى سيبلغ ما زوى لي منها‏"‏‏.‏ ‏(‏رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث ثوبان مرفوعًا‏)‏‏.‏

أيها القارئ الكريم، إن قراءة كتـاب الله وسيرة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفحات التاريخ تؤكد حقيقة لا مراء فيها‏:‏ أن العاقبة للمتقين والنصرة للحق وأهله، والخزي والدمار للباطل وأهله، هذه سنة ربانية لا جدال فيها قال تعالى‏:‏ ‏{‏سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 62‏]‏‏.‏ ‏{‏فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 43‏]‏‏.‏

ولهذا يجب ألا يرهبنا اجتماع أهل الباطل على أمتنا، لا يخفينا اجتماع الاستعمار العالمي والصهيونية والمنافقين، لا يخيفنا تحركات قوات حلف الأطلنطي، فكل هذا يجري بقدر الله، وهم في قبضة الله يقول رب العالمين‏:‏ ‏{‏وإن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 111‏]‏ وهذه ليست أول مرة يجتمع فيها أهل الكفر على أمة الإسلام ‏.‏

لقد اجـتمع علينا هؤلاء الأعداء أيام العثمانيين، فتصدى لهم العثمانيون وظلوا يجاهدونهم ستمائة سنة ‏(‏699 ـ 1299‏)‏ هـ، واجتمعوا علينا في الحروب الصليبية والمغولية والتتارية ‏(‏492ـ692‏)‏ هـ فتصدى لهم عماد الدين زنكى، ونورالدين محمود، وصلاح الدين، وسيف الدين عبد الله قطز، وبيبرس، ومحمد بن قلاوون ـ بل إن أبناء أوروبا ظلوا يحتلون ديارنا سبعمائة سنة، حتى حررها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم سنة ‏(‏16 هـ‏)‏‏.‏

إن الهجمة الأخيرة المعاصرة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة‏.‏

هل تذكرون بدر الكبرى التي وقعت في السابع عشر من رمضان سنة ثنتين هجرية، حينما خرج المشركون باتجاه الدولة الإسلامية المدينة المنورة، وأعلن قائد جيشهم أبو جهل‏:‏ والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم بها وننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع العرب بمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا‏.‏

إن الهدف هو كسر شوكة الدولة الإسلامية الوليدة، وقبل المسلمون التحدي، وخرجوا وهم صائمون رغم قلة عددهم، وقلة عدتهم، خـرجوا للقاء العدو بناء على أمر الله عز وجل حيث قال‏:‏ ‏{‏كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 5‏]‏ والهدف‏:‏ يريد الله أن‏:‏ ‏{‏يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 7‏]‏‏.‏ ‏{‏لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ البَاطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 8‏]‏‏.‏

أي أن البـاطل خرج يستفز الحق وأهله، مستعليًا بعدده وعدته، والهدف الرباني أن تنكسر شوكة الباطل على أيدي جند الحق، وينتصر الحق‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 123‏]‏‏.‏

هل تتذكرون غزوة الأحزاب التي وقعت في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة، حينما هاجم كـفار العرب الدولة الإسلامية الوليدة، بعد تحالف كفار قريش وغطفان وكنانة وحلفائهم من أهل تهامة وبنو سليم، مع يهود بنى النضير وبنى قريظة في عشرة آلاف مقاتل ضد الأمة ورموا المدينة عن قوس واحـدة‏.‏

وقد صور القرآن الكريم ذلك المشهد أصدق تصور‏:‏ حـيث قال تعالى‏:‏ ‏{‏إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا‏}‏ ‏[‏ الأحزاب 10، 11‏]‏‏.‏

وكـان الابتلاء صعبًا، ولكن المسلمين قبلوا بالتحـدي وخندقوا حول المدينة بناء على قرارات المجلس العسكري الاستشاري الأعلى بقيادة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعند وصول قوات العدو وكان الصبر والثبات والدعاء‏:‏ ‏(‏اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم منزل الكتاب مجرى السحاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم‏)‏‏.‏ ورغم قلة عددهم وعدة المسلمين، ورغم قسوة المناخ وقلة الطعام، كانت المعنويات مرتفعة، وكانت الدنيا تسمع أهازيج المسلمين وهم يحفرون الخندق‏:‏

اللهـم لـولا أنت ما اهتدينـــا ** ولاتصـدقنا ولاصلينــــا

فأنزلن سكينـة علينـــــــا ** وثبـت الأقـدام إن لا قينـا

إن الألـى بغـوا علينــــــا ** وإن أرادوا فتنـة أبينـــا

اللهم لا عيش إلا عيش الآخـرة ** فاغفر الأنصـار والمهـاجرة

وتجاوبت الحناجر بالنداء‏:‏

نحن الذين بايعوا محمدا ** على الجهاد ما بقينا أبدًا

وكانت البشارات والأمل في خضم المحنة والعدو يحاصر المسلمين تأتي كلمات القائد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لترفع معنويات المجـاهدين، وهو يضرب بفأسه صخرة كـانت تعترض الخندق ‏"‏الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأنظر إلى صورها الحمراء الساعة، الله أكبر أعطيت فارس والله إني لأنظر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن‏"‏‏.‏

في عز الأزمة والعدو يحاصر المدينة بهذا العدد الضخم من القوات، لا يفارق المسلمين، الأمل في أن الإسلام سينتصر، وستنهار دول الظلم والبغي، وستنهار دولة الفرس ودولة الروم، سينهار ملك كفار العرب، سينحسر سلطان بني يهود‏.‏

وفي أثناء هذا الابتلاء تميز الصف، فإذا بالمنافقين يكشفون عن مكنون قلوبهم قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا وعَدَنَا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 12‏]‏‏.‏

ولكن المؤمنين الموحدين كان لهم موقف آخر‏:‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولَمَّا رَأي المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وعَدَنَا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ومَا زَادَهُمْ إلاَّ إيمَانًا وتَسْلِيمًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 22‏]‏، ومع الصبر والثبات والرضا بالقضاء والأخذ بالأسباب والإعداد والتوكل على الله، تنزل النصر من السماء‏:‏

يقول رب العالمين‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 9‏]‏‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏ورَدَّ اللَّهُ الَذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وكَفي اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وكَانَ اللَّهُ قَوِيًا عَزِيزًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 25‏]‏‏.‏

قـال تعـالى‏:‏ ‏{‏وأَنزَلَ الَذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 26‏]‏‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيَارَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ وأَرْضًا لَّمْ تَطَئُووهَا وكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 27‏]‏‏.‏

وكـانت سورة الأحزاب منهجـًا تربويًا لأصحـاب العقيدة، وتخليدًا لأخـبار هذه القرون، وفضحة لموقف المنافقين، وتحالف الكافرين، وبيانة لحقيقة إنسان العقيدة، الذي يقول الله تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 23‏]‏‏.‏

والنصر للحق وأهله له صورتان‏:‏ النصر ـ التمكين لدين الله في الأرض ـ أو الشهادة يقـول رب العـالمين‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلاَّ إحْدَى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 52‏]‏‏.‏

ومن هنا كـان أمر الله عز وجـل لأهل الحق قـال تعـالى‏:‏ ‏{‏ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 139 ـ 141‏]‏‏.‏

سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك‏.‏